السوبرمان: نظرةٌ في مباراة جون سينا وغونثر
قبل أن أبدأ ينبغي أن أنوّه على أمرٍ مهم: ليس ما أرمي إليه هاهنا تحليل المباراة وأفكارها وبيان مقاصدها، إنما رأيت حدثاً فتذكّرت أموراً فكتبت عنها شيئاً.
ما زالت شخصية "السوبرمان" المثاليةُ القائمةُ على شخصية الرسوم المتحركة والقصص المصوّرة مظهراً بارزاً في المصارعة الغربية، البطل الخارق الذي تحرّكه المبادئ والقيم وحب الجمهور له ويستمدّ غاياته منها، ولا يقتصر هذا على المصارعة الغربية؛ فنجد في اليابان مصارعين كـ ريكيدوزان وبابا وإينوكي قدموا شخصياتٍ مشابهة، ولكنها أرسخُ في المصارعة الغربية التي قامت على ثنائية الخير والشر دائماً، وفي الـ wwe خاصة؛ إذ لطالما كانت فكرة الشخصيات الكرتونية محوراً مهماً فيها، فرأينا هوغن ووريور وغيرهم فمنهم من نجح ومنهم من أخفق، حتى وصلنا لـ جون سينا المصارعِ الذي ألزم نفسه بمبادئ وأخلاقياتٍ لا يخرج عنها أبداً.
ولكن قبل أن يظهر هذا السوبرمان المثالي؛ كان مفهوم الفيلسوف الألماني "نيتشه" لهذا المصطلح مختلفاً؛ إذ رأى السوبرمانَ هو المرء الذي يبحث عن القوة والتفوق، والذي لا يستمدّ قيمه وأخلاقه من الناس؛ بل هو الذي ينشئ قيمه وأخلاقه بنفسه ولا ينتظر من أحدٍ أن يوجّهَه للخير والشرّ، وهو الذي يخوض غمار المصاعب والتحديات الكبرى ليهزمها ويُظهِر تفوّقَه.
وقلّما كانت هذه الشخصية حاضرةً في تاريخ المصارعة الغربية، ولم أرَ من ينطبق عليه هذا الوصف أكثر من غونثر؛ فهو لا يبالي بما يراه الجمهور فيه، ولكنه يسعى دائماً للكمال بالمهارة والجودة والتفوّق ليصبح المصارع المثالي، فهو لا يمثّل الشرّ ولكنّه يمثّل القوةَ والسعيَ لها بصرف النظر عمّا يظنّه الناسُ فيه.
ولهذا رأيتُ هذه المباراةَ مميزةً ومختلفة؛ فيلتقي بها السوبرمانُ المثاليُّ الأخلاقيُّ السوبرمانَ الواقعيّ، وزاد من هذه المباراةِ تفرّداً كونُها آخرَ مباراةٍ لأحدهما وهو المثالي، وأنّ المثاليّ بها كانت كلُّ لحظاتِه قائمةً على حب الجمهور له وتشجيعه إياه، فبينما غونثر كان ما يلجأ إلا للمصارعة والمهارة لإظهار تفوّقه وسيطرته، كان سينا دائماً يلجأ للتشجيع من الجمهور الذي يحثّه على الصمود والقتال.
وإخضاع السوبرمان الواقعيُّ للمثاليِّ هي اللحظةُ التي زادت من رسوخ هذا الحدث في النفوس؛ فكانت أشبهَ برسالةٍ مفادها أن السوبرمان المثالي مهما حلّق في سماء مثاليته وطال تحليقه فيها فلا بد من أن يسقطه الواقع إلى الأرض ويَظهرَ عليه من هو أقوى منه. فالسوبرمان القويُّ الساعي إلى الكمال في رياضة المصارعة هزم الذي عاش دائماً على الأفكار المثالية في القتال والكفاح وعدم الاستسلام، ولا ينحصر الأمر في هذا ولكن يتعداه إلى قبول المثاليّ لهذه الخسارة؛ فهو من أعلن تفوّق الواقعية! فهذا الانهزام كأنه إظهار تفوّق نموذجٍ على الآخر؛ تفوّق المهارة على النجومية، وتفوّق القوة على القيم.
وهي قطعاً لحظةٌ تاريخية؛ فلو لم يكن فيها إلا إنهاءُ مسيرةِ أسطورةٍ من أساطير الاتحاد لكفاها، ولكني لا أظنها تقتصر على هذا؛ فقد تكون هي اللحظةُ التي يخرج بسببها سوبرمانُ مثاليٌّ آخر -وهو المتوقع-، أو أن تكون لحظةَ انتقالٍ نوعيٍ في التوّجه للاتحاد من مفهوم الترفيه إلى مفهوم المصارعة -وهو مستبعد بل أشبه بالمستحيل-.
وأكرّر أن هذا ليس تحليلاً للمباراة؛ بل أستطيع القول جازماً إنها ليست مقاصد الكاتب ولا المصارعين، وهذا مِن جَمال المصارعة! فتجربة الكاتب فيها تختلف عن تجربة المصارع والتي هي بدورها تختلف عن تجربة المُشاهد؛ وأنا مُشاهد وهذه تجربتي ورؤيتي.



ابدعت يامشعل 👏
ردحذف